ابن قيم الجوزية
592
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
والثانية : اشتمالها على ذكر اللّه وتضمنها له . ولما تضمنته من ذكر اللّه أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر « 1 » . 8 - وأما ختم الأعمال الصالحة به : فكما ختم به عمل الصيام بقوله : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ البقرة : 185 ] . وختم به الحج في قوله : فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً [ البقرة : 200 ] . وختم به الصلاة كقوله : فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ [ النّساء : 103 ] . وختم به الجمعة كقوله : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 10 ) [ الجمعة : 10 ] . ولهذا كان خاتمة الحياة الدنيا . وإذا كان آخر كلام العبد : أدخله اللّه الجنة . 9 - وأما اختصاص الذاكرين بالانتفاع بآياته . وهم أولو الألباب والعقول . فكقوله تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 190 ) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [ آل عمران : 190 - 191 ] . 10 - وأما مصاحبته لجميع الأعمال ، واقترانه بها ، وأنه روحها : فإنه سبحانه قرنه بالصلاة . كقوله : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [ طه : 14 ] وقرنه بالصيام وبالحج ومناسكه . بل هو روح الحج ، ولبّه ومقصوده . كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار : لإقامة ذكر اللّه » . وقرنه بالجهاد . وأمر بذكره عند ملاقاة الأقران ، ومكافحة الأعداء . فقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 45 ) [ الأنفال : 45 ] وفي أثر إلهي يقول اللّه تعالى « إن عبدي - كلّ عبدي - الذي يذكرني وهو ملاق قرنه » . سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يستشهد به . وسمعته يقول : المحبون يفتخرون بذكر من يحبونه في هذه الحال . كما قال عنترة : ولقد ذكرتك والرماح كأنها * أشطان بئر في لبان الأدهم وقال الآخر : ذكرتك والخطّيّ يخطر بيننا * وقد نهلت منا المثقّفة السّمر وقال آخر : ولقد ذكرتك والرماح شواجر * نحوي . وبيض الهند تقطر من دمي وهذا كثير في أشعارهم . وهو مما يدل على قوة المحبة . فإن ذكر المحب محبوبه في تلك الحال - التي لا يهم المرء فيها غير نفسه - يدل على أنه عنده بمنزلة نفسه ، أو أعز منها . وهذا
--> ( 1 ) ولعل في الآية معنى آخر : أن الصلاة هي أكبر الذكر . فقد قال اللّه : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [ طه : 14 ] وهي أكبر وأقوى وأشدناه عن الفحشاء والمنكر .